ملا محمد مهدي النراقي

73

جامع السعادات

عن اضطرار متصل بالتلف : ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها شدائدها قائمة في كل نفس ، ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار ، حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة ، كأنه إلى عرصاتها مدعو وفي غمراتها مسؤول ، قال الله - تعالى - : ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) ( 36 ) . ( 37 ) . وقال الكاظم ( ع ) : ( ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل حسنة استزاد الله - تعالى - وإن عمل سيئة استغفر الله منها وتاب إليه ) . وفي بعض الأخبار : ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات : ساعة يحاسب فيها نفسه . . فصل مقامات مرابطة العقل للنفس إعلم أن العقل بمنزلة تاجر في طريق الآخرة ، ورأس ماله العمر ، وقد استعان في تجارته هذه بالنفس ، فهي بمنزلة شريكه أو غلامه الذي يتجر في ماله ، وربح هذه التجارة تحصيل الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة الموصولة إلى نعيم الأبد وسعادة السرمد ، وخسرانها المعاصي والسيئات المؤدية إلى العذاب المقيم في دركات الجحيم ، أو نقول : رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل ، وخسرانه المعاصي ، وموسم هذه التجارة مدة العمر ، وكما أن التاجر يشارط شريكه أولا ، ويراقبه ثانيا ، ويحاسبه ثالثا وإن قصر في التجارة - بالخيانة والخسران وتضييع رأس المال - يعاتبه ويعاقبه ويأخذ منه الغرامة ، كذلك العقل يحتاج في مشاركة النفس إلى أن يرتكب هذه الأعمال ، ومجموع هذه الأعمال يسمى ب‍ ( المحاسبة والمراقبة ) تسمية الكل باسم بعض أجزائه ، وقد يسمى ( مرابطة ) أيضا . فأول الأعمال في المرابطة ( المشارطة ) : وهي أن يشارط النفس ويأخذ منها العهد والميثاق في كل يوم وليلة مرة ألا يرتكب المعاصي ، ولا

--> ( 36 ) الأنبياء الآية : 47 . ( 37 ) صححنا الحديث على مصباح الشريعة : باب 85 ، ص 186 .